محمد بن جرير الطبري

66

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً يقول : دائما . وقوله : مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ يقول : من معبود غير المعبود الذي له عبادة كل شيء يأتيكم بضياء النهار ، فتستضيئون به . أَ فَلا تَسْمَعُونَ يقول : أفلا ترعون ذلك سمعكم ، وتفكرون فيه فتتعظون ، وتعلمون أن ربكم هو الذي يأتي بالليل ويذهب بالنهار إذا شاء ، وإذا شاء أتى بالنهار وذهب بالليل ، فينعم باختلافهما كذلك عليكم . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قُلْ يا محمد لمشركي قومك أَ رَأَيْتُمْ أيها القوم إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً دائما لا ليل معه أبدا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ من معبود غير المعبود الذي له عبادة كل شيء يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ فتستقرون وتهدءون فيه . أَ فَلا تُبْصِرُونَ يقول : أفلا ترون بأبصاركم اختلاف الليل والنهار عليكم ، رحمة من الله لكم ، وحجة منه عليكم ، فتعلموا بذلك أن العبادة لا تصلح إلا لمن أنعم عليكم بذلك دون غيره ، ولمن له القدرة التي خالف بها بين ذلك . القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ يقول تعالى ذكره : وَمِنْ رَحْمَتِهِ بكم أيها الناس جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ فخالف بينهما ، فجعل هذا الليل ظلاما لِتَسْكُنُوا فِيهِ وتهدءوا وتستقروا الراحة أبدانكم فيه من تعب التصرف الذي تتصرفون نهارا لمعايشكم . وفي الهاء التي في قوله : لِتَسْكُنُوا فِيهِ وجهان : أحدهما : أن تكون من ذكر الليل خاصة ، ويضم للنهار مع الابتغاء هاء أخرى . والثاني : أن تكون من ذكر الليل والنهار ، فيكون وجه توحيدها وهي لما وجه توحيد العرب في قولهم : إقبالك وإدبارك يؤذيني ، لأن الإقبال والإدبار فعل ، والفعل يوحد كثيره وقليله . وجعل هذا النهار ضياء تبصرون فيه ، فتتصرفون أبصاركم فيه لمعايشكم ، وابتغاء رزقه الذي قسمه بينكم بفضله الذي تفضل عليكم . وقوله : وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ يقول تعالى ذكره : ولتشكروه على إنعامه عليكم بذلك ، فعل ذلك بكم لتفردوه بالشكر ، وتخلصوا له الحمد ، لأنه لم يشركه في إنعامه عليكم بذلك شريك ، فلذلك ينبغي أن لا يكون له شريك في الحمد عليه . القول في تأويل قوله تعالى : وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ . . . ما كانُوا يَفْتَرُونَ يعني تعالى ذكره : ويوم ينادي ربك يا محمد هؤلاء المشركين فيقول لهم : أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أيها القوم في الدنيا أنهم شركائي . وقوله : وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً وأحضرنا من كل جماعة شهيدها وهو نبيها الذي يشهد عليها بما أجابته أمته فيما أتاهم به عن الله من الرسالة . وقيل : ونزعنا من قوله : نزع فلان بحجة كذا ، بمعنى : أحضرها وأخرجها . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً وشهيدها : نبيها ، يشهد عليها أنه قد بلغ رسالة ربه . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ؛ عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ؛ قوله : وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً قال : رسولا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، بنحوه . وقوله : فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ يقول : فقلنا لأمة كل نبي منهم التي ردت